penseurبقطع النّظر عن تأييد أو رفض الحوار الوطني، و موالاة أو معارضة الحكومة الحاليّة، بان جليّا للعيان و بما لا يدعو مجالا للشّكّ أنّ من كانوا يتبجّحون بالخبرة والباع الطّويل في المجال السّياسيّ  و الخبث التّكتيكيّ، هم ليسوا إلّا "طلّاقة فصّ" كما قال عميد "طلّاقي الفصّ" الباجي قايد السّبسي بنفسه
 و قد قلنا من قبل، و في عدّة مرّات أنّ الخبرة لا تتمثّل فقط في عدد السّنين المقضّاة في العمل في ميدان ما، بل تتطلّب شروطا أخرى و من أهمّها : التأطير و التّوجيه و المراقبة و التّعديل و المحاسبة، ضمن جهاز منبثق عن مؤسّسات قانونيّة صلبة  لا بدّ من وجودها في الدّولة القويّة، لكي تستحقّ فعليّا تسميتها ب"دولة القانون و المؤسّسات". والكلّ يعلم أنّ من نتكرّم عليهم بوصف الخبرة من ساساتنا القدامي منذ الإستقلال إلى الثّورة و إلى الآن -مع بعض التّغييرات- عملوا ضمن منظومة استبداديّة لا مراقبة فيها و لا تعديل و لا محاسبة، إلّا مراقبة التّأييد و الإذعان و الموالاة و تعديل المسار نحو الطّاعة و لا شيء غيرها. و مهما كانت نتائج البرامج و المخطّطات فهي لا تهمّ، إذ يمكن التّراجع فيها و تطبيق غيرها أو حتّى تناسيها و دفنها بكامل البساطة، و غضّ الطّرف عن تبعات نتائجها، فالمهمّ و الأهمّ الموالاة و الطّاعة و التّأييد لسيّد القوم، و تلك ناحية من نواحي الدّكتاتوريّة. هؤلاء يا سادة تعلّموا الحوار دون نقاش، و النّقاش دون معارضة للرّأي، و إبداء الرّأي دون تصادم مع رأي السّيّد. و بهذه الطّريقة، حتّى و لو قضّوا ألف سنة مع المرحوم بورقيبة و ألفي سنة مع إبنه بن علي لأفرزت النّتيجة نفس طلّاق الفصّ

و عندما احتدمت الأمور و بدأت الرّكب تحتكّ بالرّكب -كما يقال- لم نسمع إلّا "طليق الفصّ" من موضع إخراج "البصّ". فهؤلاء الذين أطلقت عليهم  شخصيّا نعت "الدّراويش" من "عكك النّهضة" صالوا و جالوا و راوغوا كما حلا لهم في حوارهم مع "خبراء طلق الفصّ" و من والاهم، فأخرجوا لهم "فصّهم و بصّهم" من كلّ متنفّساتهم و مخارجهم، ليركنوا مُتعبين إلى بنك الإحتياط قائلين لهم "إلعبوا لوحدكم إنّا هاهنا معارضون". هؤلاء "الدّراويش"  ساندوا صديق حنّبعل ممّن شهدوا كتابة دستور قرطاج، لترفضوه لشيخوخته، و لم يعترضوا على الوزير السّابق أو التّجمّعي، و حين كبا الحمار من التّعب نادوا إلى بعل علّيسة  و صديق الملهم بورقيبة لترضوا به و تقبلوه و ليعلن هو بنفسه عن رفضه لشيخوخته، فأعادوا لكم من رفضتموه و لم تعد لديكم حجّة الشّيخوخة لرفضه، و حين توقّف الحمار مرّة أخرى، إذ بشيخ "الدّراويش" يلد لكم -ربّما- من صلبه من فاز بتأييد القوم، فبقيتم مبهوتين مبهورين متباكين، عيونكم شاخصة و أفئدتكم هواء، و هذا لحنكتكم و خبرتكم و دهائكم ... يا طلّاقة الفصّ.

وليس هذا الكلام تأييدا منّي لما أتت به النّهضة في حكمها، و لا موالاة لتمشّيها و سياستها التي انتهجتها، فأنتم "طلّاقة الفصّ" تعتبرون كلّ من عارضكم "نهضاويّا" و هذا لخبرتكم و دهائكم بالطّبع، و لما حقنه في عروقكم ساداتكم من فنون الحكم و الحوار. فإنّني أعتبر أنّ ما أتت به النّهضة و ما أنتجه الحوار بلاء على الثّورة وربّما يدخل في خطّة تآمريّة على السّيادة التّونسيّة لتوجيهها نحو مسار يخدم بالأساس مصالح أجنبيّة. فرئيس حكومتنا الجديد، بقطع النّظر عن مستواه و خبرته الميدانيّة في ميدان الصّناعة و تسيير المنشآت و التّأطير و القيادة، إلّا أنّه يمثّل الشّخصيّة النّموذجيّة ذات القالب المثاليّ الذي تستعمله أقوى المؤسّسات العالميّة النّافذة للسّيطرة على ثروات الدّول وخصوصا منها النّامية. و هذا بالطّبع ربّما يغيب على طلّاقة الفصّ.