Image 012

أطلّ علينا البعض من المحلّلين من أنصار النّهضة هذه الأيّام بأطروحة تشرح لنا عبقريّة الشّيخ راشد الغنّوشي الذي فكّر فخطّط فسطّر الطّريق التي قادت النّهضة إلى الهزيمة "الإنتصار" أمام حزب  نداء تونس، و كيف أنّ هذا الإنتصار الإنهزاميّ جنّب النّهضة و البلاد ويلات و أخطار جسيمة. و ليس لي أن أنقد الشّيخ راشد، فمن أنا حتّى أنقده؟ و لكن -و مع كامل احتراماتي لمن تفنّن و تفقهج و كتب و نشر- هذه تحاليل ما بعد نهاية المعارك التي يسهل تحويل وجهتها إلى ما ينعش و يخفّف الوطأة. فقبل الإنتخابات كنّا نعرف حقّ المعرفة أنّه لو فازت النّهضة و آل إليها الحكم، للاقت ما لاقته من حملات التّشويه و الإضرابات والإعتصامات كما حدث في الفترة الإنتقاليّة و حتّى أكثر بكثير. وليس هذا مردّه حقد المعارضة و أتباع النّظام السّابق و قوى الرّدّة الأخرى فقط، فهذا الحقد متجذّر و عميق في نفوس اليساريّين خاصّة و أتباع المنظومة السّابقة منذ السّبعينات، بل أكثر المسؤوليّة تتحمّلها النّهضة . فالكلّ يعرف و يتذكّر كيف ماطلت النّهضة في المحاسبة و تحصين الثّورة، وكيف سعت إلى تقريب البعض من الرّموز التّجمّعيّة إليها و تنصيب البعض الآخر في مواقع حسّاسة من السّلطة في محاولة استيعابها وتفادي شرّها والإستفادة ممّا يسمّونه "خبرتها" و غضّ الطّرف عن البعض الآخر بحفظ القضايا المتعلّقة به أو تعطيلها، وما على من يشكّ في هذا إلّا أن يأتي لنا بقضيّة واحدة رفعتها السّلطة المؤقّتة و تمّ البتّ فيها عدا القضيّة المسرحيّة المتعلّقة بسامي الفهري. والكلّ يتذكّر كيف كان حمّادي الجبالي يخاطب الباجي قائد السّبسي باحترام التّلميذ لأستاذه. و الكلّ يتذكّر ما عاناه الأستاذ محمّد عبّو من تعطيل النّهضة لملفّات الفساد الإداريّ ممّا أدّى به إلى الإستقالة. و الكلّ يتذكّر أيضا ما حدث من تجميد و تعطيل ثمّ حفظ للقضايا التي رفعتها مجموعة ال25 محامي بتونس العاصمة و مجموعة ال10 بالسّاحل. و باختصار كانت النّهضة تتعامل بمنطق "اذهبوا فأنتم الطّلقاء"، و غاب عنها أنّ الزّمن غير الزّمن والمجال غير المجال والبشر غير البشر. ستقولون بالطّبع أنّ الوضع و الأخطار المحدقة لا تسمح بغير ذلك، و هذا هو الخطأ الفادح، فالحكم حزم لا خوف وارتعاش، و ما على من تحمّل المسؤوليّة إلّا اتّخاذ المواقف الجادّة و الصّلبة دون ظلم للعباد بالطّبع، و كان ذلك متاحا خصوصا في الفترة الأولى بعد أكتوبر 2011، حين كان كلّ الأزلام و رجال الأموال الفاسدين ينتظرون مصيرهم في خوف وارتعاش و منهم من كان مختبئا أو فارّا. و ممّا زاد الطّين بلّة تسامح السّلطة المؤقّتة مع المعتصمين -بحقّ و دون حقّ- و المضربين العشوائيّين و مُعطّلي الحركة الإقتصاديّة و مخرّبي المصانع الكبرى...الخ... و هذا هو الضّعف الفادح الذي كبّد السّلطة المؤقّتة خسائر أفدح و أثقل ممّا كان سيلحقها لو طبّقت القانون و حكمت بحزم و بدون ظلم. و في هذا الخضمّ وُلد "نداء تونس" والتحق به الكثير ممّن أرادت النّهضة استدراجهم، و شيئا فشيئا برزت أحزاب أخرى لوجوه قالت أنّها وريثة النّضال الدّستوريّ الذي بنى الدّولة الحديثة، و يوما بعد يوم اضطرّت النّهضة إلى تجربة الوفاق الوطني و الحوار ... والإستقالة من الحكم ... و بالطّبع تعالت أصوات المغالين و هواه التّقديس بالإشادة بهذا الإختيار...و لا فائدة في الإطالة...و باختصار نقول أنّ النّهضة تعاملت مع الثّورة بعقليّة غير ثوريّة، وهي التي انتفعت أيّما انتفاع من الثّورة، ولكنّها عوض أن تشدّ أزرها و تحميها من الثّورة المضادّة، إعتمدت منهجا "تكتيكيّا"وصفوه جزافا ب"العبقريّة السّياسيّة" في تقديس خرافيّ لرمزها و رئيسها الأستاذ راشد الغنّوشي، فكانت النّتيجة ما نحن فيه الآن، و ليس هذا كلاما اعتباطيّا منّا، بل هي الحقيقة بعينها التي أكّدتها الأحداث الواقعيّة.. و قد كنت تطرّقت شخصيّا و منذ بداية 2012 و طيلة 2013 إلى خطورة هذا التّمشّي الخاطئ، ومعاذ الله أن أكون من المهاترين أو المتشدّقين. فالحقيقة كلّ الحقيقة، أنّ الخطّة "الحقيقيّة" التي يمكن أن ننسبها إلى النّهضة عن طريق الأستاذ راشد الغنّوشي هو هذا التّمشّي الخاطئ الذي كنّا بصدد ذكره والذي تسبّب في تحويل الثّورة إلى مجرّد انتفاضة و إرجاع الإنتعاشة إلى المنظومة السّابقة...و القادم أحلى. و لإعطاء قيصر ما لقيصر يجب علينا أن نعترف أنّ النّهضة -و في الثّواني الأخيرة- حاولت تفادي الأخطار و الكوارث التي ذكرتموها والتي كان لها فيها ضلع و أضلاع. فعلى من ينظّر و يحلّل أن يجتنب العواطف والميولات، و يعتمد الموضوعيّة و الواقعيّة والحياد في التّفكير، و لكنّنا دأبنا، و منذ بداية حضارتنا العربيّة الإسلاميّة، على تقديس رموزنا و علمائنا و أيمّتنا و إلباسهم جبّة العصمة، و هذا يختلف اختلافا جذريّا مع الإحترام و التّبجيل و التّقدير.و أعرف بالطّبع أنّ البعض سيعتبر كلامي هذا قدحا و تجريحا في النّهضة و شيخها، ولكنّني أعتبره نظرة واقعيّة للأحداث و المواقف مجرّدة من كلّ الميولات و العواطف